الله.. نور السموات و الأرض، وهو العتمة فيهما أيضاً الله هو النهار والليل
هو الصيف والشتاء
هو الحرب والسلام
وهو الجوع والشبع
~~~~~
ماء البحر في نفس اللحظة يكون نقياً جداً وملوثاً جداً
قابل للشرب وصحّي للأسماك،
لكنه غير صالح وقاتل للإنسان..
~~~~~
طبيعة النهار والليل هي نفسها
~~~~~
الطريق للأعلى وللأسفل
هو واحد متشابه..
~~~~~
حتى النائمون هم عمال ومساهمون
بكل ما يجري في هذا الكون...
~~~~~
ضمن الدائرة،
البداية والنهاية هي نفسها
الله سبحانه وتعالى
عما يذكرون، ليس شخصاً...
لكن لأن الإنسان
اعتبر الله دائماً كشخص، نشأت ألف مشكلة ومشكلة..
كل المشكلات التي
تواجهها علوم اللاهوت هي جهود عقيمة ببساطة،
والسبب الأساسي هو
اعتبار الله شخصاً.
الله ليس شخصاً
ولا يمكن أن يكون..
دع هذا يتعمّق
داخلك قدر الإمكان، لأن هذا سيصبح باباً إلى بعد جديد.. وخصوصاً بالنسبة للذين
ولدوا ضمن عائلات يهودية، مسيحية، أو إسلامية، من الصعب عليهم حقاً عدم اعتبار
الله كشخص، وهذا يصبح سداً أمام انفتاح الوعي.. التفكير بالله كشخص هو تركيز
وتأليه للإنسان وليس معرفة حقيقية لله.. في الإنجيل، قيل أن الله خلق الإنسان على
صورة الله ومثاله، ولكن الحالة في الواقع تبدو أنها العكس تماماً: الإنسان قد صنع
الله على صورته! والبشر مختلفون، لذلك نجد أن هناك عدة نماذج وأصنام وأفكار وصور
مختلفة لله في العالم.
حدث يوماً عندما
وصل أوائل المبشرين المسيحيين إلى أفريقيا، وقعوا في ورطة كبيرة، لأنهم كانوا
يرسمون الله كشخص أبيض بينما الشيطان كشخص أسود، وهذا سبّب إهانة كبيرة للأفارقة
لأن جلدهم أسود!
لم يكن الأفارقة
يستمعون لرجال الدين، لأنه ومنذ البداية كانت الصورة مسيئة لهم.. عندها أتت فكرة
بسيطة لأحد المبشرين: قام بتبديل الألوان.. جعل الله أسود والشيطان أبيض، فأصبح
الأفارقة سعداء جداً وقبلوا الدين الجديد!.. الأفريقي لا بد أن يرسم الله وفق
صورته ولونه هو، والصيني سيرسمه على صورته، والهندي والعربي... نحن نرسم الله
كانعكاس لنا، بالطبع بشكل مثالي مكتمل، ولكن صورتك أنت لا يمكن أن تكون الله...
أنت مجرد جزء صغير، مجرد ذرة من هذا الوجود الواسع.. فكيف يمكن إدراك الكلّي
الوجود في هيئة وصورة جزء محدود؟ الكليّ يتجاوز الأجزاء فهو واسع وشاسع لا تحدّه
الأبصار.. إذا تعلّقتَ بالذرة الصغيرة أو بالجزء، سيفوتك الكليّ اللامحدود.
لا ينبغي حصر
إدراك الله في صورة عنك، بل على العكس، عليك أنت أن ترمي صورتك، عليك أن تصبح
بحالة فناء دون أي صورة، وعندها فقط، ستصبح مرآة تنعكس فيها صورة الواحد الأحد..
مع استمرار رحلة
الإنسان وبحثه عن الحقيقة، أصبح من الواضح أكثر فأكثر أن فكرة الله كشخص تخلق
المشاكل، لأنك عندها ستكون دائماً على خلاف مع الآلهة الأخرى... لذلك نجد أن هناك
إلهاً لليهود، إلهاً للهندوس، وإلهاً المسلمين وإلهاً للبوذيين إلخ.. ما هذا
الجنون؟ كيف يمكن لله أن يكون هندوسي أو مسيحي أو مسلم أو بوذي؟! هناك آلهة مختلفة
لأن اليهود عندهم صورة خاصة بهم عن الله، والهندوس عندهم صورة خاصة بهم، لذلك لا
بد من ظهور الخلاف.. يعتقد الهندوس أن الله يتكلم باللغة السنسكريتية بينما يعتقد
العرب أن الله يتكلم باللغة العربية فقط..
في أحد الأيام كان
هناك رجل ألماني يتكلم مع رجل بريطاني.. قال الألماني: "كلما حان موعد الحرب،
نحن نخطط جيداً بكل الطرق الممكنة، لكن لماذا وفي كل مرة تواجهنا الهزيمة؟"
قال البريطاني:
"بالطبع لا بد أن تنهزموا.. لأننا نحن وكلما بدأنا بالقتال، نبدأ أولاً
بالصلاة والدعاء لله وهو يقوم بحمايتنا.. أنتم ستنهزمون لا محالة"
قال الألماني:
"لكننا نحن أيضاً نصلي وندعو لله"
ضحك البريطاني
وقال: "لكن من الذي سيفهم اللغة الألمانية!؟"
بالنسبة للبريطاني،
الله هو شخص بريطاني يتكلم الإنكليزية فقط.. وبالنسبة لهتلر، الله هو شخص
اسكندنافي، لأننا نخلق الله حسب صورة ما في فكرنا..
في إحدى مذكرات
رجل دين، وهو كان مفتي الحروب التابع لجناح المشير مونتغمري البريطاني... في أحد الأيام
عندما كانوا جاهزين للهجوم على الأعداء، كان الجو غائم جداً وضباب وبرد شديد يعيق
الحركة تماماً... كتب الكاهن أن الجنرال مونتغمري استدعاه وقال: "عليك
بالصلاة لله فوراً والطلب منه أننا نحن جنوده، ونحن نسير تجاه المعركة، فماذا يفعل
بالطقس؟ هل هو يتآمر مع الأعداء؟ أخبره أن يتوقف فوراً عن جعل الطقس سيء
أمامنا!"
تفاجأ الكاهن:
جنرال كبير مثل مونتغمري، ماذا يقول؟ ..قال الكاهن مرتبكاً: "هذا لا يبدو جيداً..
كيف يمكنني أن أقول لله ماذا تفعل؟ وتوقف عن هذا فوراً لأننا نحن جنودك؟!"
أجاب مونتغمري:
"استمع لأوامري ونفّذها! أنت المفتي الأعلى عندي، وأنت جزء من جيشي، لذلك كل
ما أقوله لك عليك أن تنفذه.. اذهب وصلّي لله فوراً!"
لقد حصل ذلك
فعلاً... يبدو حدثاً سخيفاً أحمقاً، لكن هذا ما كان يحدث طوال الوقت، وعند كل
الناس... إذا اعتبرتَ الله كشخص فلا بد أن يحدث هذا.. ستبدأ بالكلام معه مثلما
تتكلم مع شخص، لكنه ليس شخصاً.. هناك ملايين الملحدين لأن أغلب المتدينين يعتبرون
الله كشخص.. الملحد ليس ضد الله، لكنه ضد مفهومك أنت عن الله كشخص، لأن هذا
المفهوم بكامله أحمق... وفكّروا بالورطة التي تضعون الله فيها، فالألمان يصلّون
لأجل انتصارهم، والمسيحيون يصلّون، السنة يصلّون، والشيعة يصلّون... وكل فئة تعتقد
أن الله معها هي فقط!
في أحد الأيام،
حلمَ الصوفي الحكيم جُنيد بأنه قد مات، ومات أيضاً أكبر زاني وخاطي في المدينة
كلها.. وصلا كلاهما إلى الله وطرقا الباب.. تم استقبال الزاني بينما تم تجاهل
الحكيم.. فشعر بالجرح والإهانة الشديدة.. كان يتوقع دائماً أن الله سيستقبله ويرحب
به، لكن ماذا حصل؟ العكس تماماً..
وهو يعرف الزاني
عديم الأخلاق الذي تم استقباله باحتفال كبير.. عندما انتهى الاحتفال وذهب المجرم
إلى مكانه المخصص في الجنة، قال الحكيم: "هناك فقط سؤال واحد أريد توجيهه
لله: ماذا تفعل؟ لقد كنتُ أصلي إليك باستمرار ليل نهار أدعو بأسمائك وأردد الذّكر
والتراتيل.. حتى أثناء نومي كنت أنشد وأتذكر اسمك!"
أجاب الله:
"بالتحديد بسبب ذلك.. لقد ضايقتني كثيراً لدرجة جعلتني أخاف منك لأنك الآن
أتيت إلى السماء.. فماذا ستفعل هنا؟ هناك بعيداً في الأرض، وطوال 24ساعة باليوم،
لم تترك لي أي لحظة من السلام!
بينما هذا الزاني
هو شخص جيد، لهذا نحن نحتفل به.. لم يضايقني أو يضجرني أبداً، لم يستخدم اسمي
مطلقاً ولم يسبب لي أي إزعاج".
الله كشخص هو مجرد
مفهوم أحمق.. لا يمكن أن يكون شخصاً لأنه كل الأشخاص سوية، كيف يمكن أن يكون شخص
واحد منهم فقط؟ لا يمكن أن يكون شخص لأنه كل شخص، ولا يمكن أن يكون محدد في مكان
واحد لأنه في كل مكان... لا يمكنك أن تعرّفه أو تحدده، والشخصية هي تعريف وتحديد..
الشخصية هي مجرد
موجة تأتي وتذهب، بينما الله هو المحيط...
الله لا تحدّه أي
حدود في كل الوجود...
الشخصيات تأتي
وتذهب، فهي أشكال، تظهر هنا ثم تنتهي وتختفي..
تتغير الأشكال
وتنقلب وتتعاكس باستمرار، بينما الله هو اللاشكل..
لا يمكن تحديد
الله ولا قول مَن أو ما هو الله... هو كل ما يكون..
لكنك بمجرد قولك
"هو كل ما يكون" تظهر المشكلة: كيف سنتواصل معه؟
لا يوجد حاجة
للتواصل، لا يمكنك التواصل معه مثلما تتواصل مع شخص..
عليك التواصل معه
بطريقة وبُعد مختلف تماماً،
ذلك البُعد هو
الطاقة، هو الوعي، وليس الشخصية.
الله هو الطاقة..
الله هو الوعي
المطلق..
الله هو الغبطة هو
النشوة.. غير معرّف وغير محدود،
لم يولد ولم يمت
ولم يكن له كفؤ أحد.. لا بداية له ولا نهاية..
دائماً وأبداً وأبدياً
مستمراً أبعد من الزمان والمكان..
لأن الله يعني
الكليّة في كل شيء ولا شيء..
الكليّة لا يمكن
أن تمتلك شخصية.. هذا أول شيء يجب فهمه، بعمق كبير جداً، ليس فقط فكرياً بل بشكل كامل
عندك قدر الإمكان.. لأنك إذا قدرتَ أن تدرك وتشعر وتلتمس طريقك إلى الله ككليّة،
ستكون صلاتك مختلفة... صلاتك لن تكون عندها صلاة طفولية سخيفة، ولن يكون الله
"في صفك فقط" فهو في صف الجميع سوية... الله أيضاً مع أعدائك بمقدار ما
هو معك أنت، الله موجود في الشخص الطاهر بنفس المقدار الموجود في الشخص العاهر..
لأن الله كل شيء!
الله موجود بنفس
المقدار في النور وفي العتمة.. يُدرك ويشمل كل شيء..
تلتقي كل
المتناقضات وتذوب وتصبح واحدة فيه...
بسبب مفهوم أن
الله شخص، كان علينا اختراع شيطان مضاد للإله، بسبب كل السلبيات في الحياة! أين
ستضعها؟ لا بد أن تخترع شخصاً ما لتلقي بكل السلبيات ومسؤوليتها عليه... وعندها
يصبح إلهك أيضاً مزيف، وشيطانك أيضاً مزيف، لأن السلبيات والإيجابيات تتواجد سوية،
وليست منفصلة.. بينما أنت تقوم بوضع كل الصفات التي تحبها في صف إلهك.. هذا
الانقسام من اختراعك أنت.
الله لا يمكن
تقسيمه أو تصنيفه.. هو الواحد الأحد..
أول شيء: الله ليس
شخصاً... وتذكّر: أنت أيضاً لستَ شخصاً.. الأمر مجرد جهل، جهل تجاه الذات: لذلك
أنت تظهر وكأنك شخص... إذا تعمّقتَ أكثر، قريباً ستصبح الشخصية مشوشة، ثم تأتي
لحظة لا تعرف فيها مَن أنت.. أحياناً تحدث مع البعض: إذا أيقظك شخص ما فجأة، قد
تنسى أين أنت، وتنسى هل الوقت هو الصباح أم المساء، هل أنت في بيتك أم في مكان
آخر.. للحظة واحد يبدو كل شيء ضبابياً مبهماً، لا إحساس بالوقت ولا بالمكان، ولا
تعرف حتى من أنت... لماذا يحدث هذا؟ لأنك في النوم العميق تتحرك باتجاه المركز،
دون وعي بالطبع، لكن في المركز لا يوجد شخصية، هناك فقط طاقة دون شكل ولا اسم ولا
هوية... وإذا قام شخص ما بإيقاظك فجأة، عليك أن تنتقل من المركز إلى المحيط
الخارجي بسرعة كبيرة فلا يتسنى لك الوقت لتجميع شخصيتك وتذكر هويتك.. في لحظة مندفعة
تنسى شخصيتك، وهذه هي حقيقة ذاتك، هذا هو أنت في الحقيقة....
في التأمل العميق،
بالتدريج ستصبح أكثر إدراكاً للغير معرّف والغير محدود..
بداية ستبدو
كظاهرة مبهمة، وربما قد تخاف أو ترتعب أحياناً: ماذا يحدث لك؟ هل أنت تفقد عقلك؟
هل أصابك الجنون؟ إذا خفتَ سيفوتك الكنز.. لا تقلق فالذي يحدث طبيعي هنا.. أنت
تنتقل من المعرّف إلى اللامعرّف، وبينهما هناك أرض يكون كل شيء فيها مبهم...
لهذا قال معلمو
التأمل في الشرق: "قبل أن يدخل المرء في الطريق، الأنهار أنهار والجبال
جبال.. عندما يدخل المرء في الطريق، الأنهار لا تبقى أنهار، والجبال لا تبقى
جبال.. وعندما يحقق المرء الهدف، مجدداً تعود الأنهار أنهار، وتعود الجبال
جبال"... ماذا يقصدون؟؟
يقصدون أن هناك
لحظة معينة تأتي بحيث يصبح كل شيء مبهم، وتلك اللحظة هي التي تحتاج فيها إلى مدرسة
أو معلم، لأنه عندما يصبح كل شيء مبهم أمامك ستعود كالطفل الصغير، دون حول ولا
قوة، لا يعرف من هو لأنه فقد الهوية، ولا يعرف ماذا يحدث ولا لأين هو ذاهب، هنا
تظهر الحاجة للمدرسة أو الجماعة حول معلم حقيقي، حيث يوجد عدة أشخاص على عدة طبقات
من الوعي ويساعدون بعضهم.. فلا تحتاج لأن تخاف.. نور المعلم دائماً موجود يضيء
الطريق.. وخير معلم في هذه الأيام كتابٌ حيّ...
الله هو الطاقة...
وإذا لم تكن جاهزاً قد تدمرك هذه الطاقة..
والله طاقة حيوية
هائلة لا محدودة، بحيث إذا كانت سيارتك غير جاهزة ستتحطم ببساطة..
لذلك السؤال ليس
فقط معرفة الله، بل هناك سؤال أعمق، هل أنت جاهز قبل أن تقول: "تعال
الآن"؟
قبل أن تتمكن من
دعوته، لأنك صغير جداً وهو واسع جداً..
الأمر وكأن قطرة
ماء تنادي المحيط لكي يأتي إليها.. يستطيع المحيط القدوم في أي لحظة، لكن ماذا
سيحدث للقطرة؟ على القطرة أولاً تحقيق المقدرة، المقدرة على القبول اللامحدود بحيث
إذا دخل المحيط في القطرة واختفى، لا تتحطم القطرة... ما أعظم هذا الفن، وهذا الفن
هو الدين الحقيقي... سواء اسمه يوغا أو تانترا أو تصوف لا فرق في أي طريق.. خلق
الخالق من طرق بعدد ما خلق من خلق.
ولا تنظر إلى الله
وفق مفاهيمك المسبقة: يهودية مسيحية هندوسية.. ارمها كلها! فذلك تعلّق بالمحيط
الخارجي، ذلك تعلّق بالمعارف ويعرقل أن تصبح عارف... كل ما تم تعليمه لك، أنت
تتعلق به، لكن الله ليس شيئاً يمكن تعليمه لك... لا أحد يستطيع تدريس مادة جامعية
اسمها الله! يمكن فقط التلميح والإشارة إليه بطرق خفية وغير مباشرة، بالطبع، لكن
لا يمكن تعليمه وتلقينه مثلما يفعلون مع طلاب الشريعة!
كل ما تعرفه عن
الله خاطئ، وأقول لك كل شيء مهما كان... كل ما تعرفه عنه خاطئ لأن ذلك أتى من
المعتقدات والتعاليم من الآخرين، أحدهم علمك فكرة أو مفهوم معين أو نظرية، والله
ليس فكرة ولا نظرية ولا فرضية.. الله ليس أي شيء منها.. مختلف تماماً تماماً..
تخلص من كل
المفاهيم المسبقة، وعندها فقط ستكون جاهزاً لأخذ الخطوة الأولى... اذهب إليه
عارياً من كل شيء.. فارغاً دون أفكار عنه في فكرك.. اذهب فارغاً فتلك هي الطريقة
الوحيدة للذهاب إليه... فارغاً، ستصبح باباً يستطيع الله الدخول من خلاله...
المطلوب فقط القدرة على الاستقبال، وليس أي فلسفات أو مفاهيم أو دراسات أو شرائع..
الله هو النهار والليل
هو الصيف والشتاء
هو الحرب والسلام
وهو الجوع والشبع
~~~~~
لقد قال الكثيرون
كلاماً كثيراً عن الله، لكن لا أحد يقارن بهذه الكلمات من قلب الحكيم اليوناني هرقليطس..
كان هناك أشخاص يقولون أن "الله هو النور"، لكن عندها أين ستضع العتمة؟
عندها ستضطر لشرح من أين تأتي العتمة... كثيرون قالوا أن "الله هو
النهار"، كثيرون قالوا "الله هو الشمس، هو مصدر النور" لكن عندها
من أين يأتي الليل؟ من أين تأتي العتمة، والخطيئة والشيطان؟ ولماذا تكلم الناس عن
الله بأنه النور؟
هناك شيء نفسيّ
يتدخل في الموضوع... الإنسان يخاف من العتمة، ويشعر بأمان ونشاط عند وجود النور...
لماذا تقول أن الله نور؟ القرآن يقول الله نور، كتب الأوبانيشاد الهندية تقول الله
نور، الإنجيل يقول أن الله نور.. لم يكن هناك إلا مدرسة صغيرة، في تلك المدرسة تم
تعليم السيد المسيح وتحضيره لاستقبال الطاقة المقدسة، اسم تلك المدرسة هي الإيسينس
(الإسينيون) هم كانوا أهل ومعلمي المسيح.. فقط تلك المدرسة قالت أن الله هو العتمة
وهو الليل.. لكنهم لم يقولوا أبداً أن الله هو النور.. لقد ذهبوا إلى التطرّف
الآخر، لكنهم كانوا أناساً جميلين وعندهم علوم وحكمة لا نزال نكتشفها حتى اليوم.
حاول أن تفهم معنى
الرموز: النور والعتمة...
أنت لا تخاف في
النور لأنك تستطيع الرؤية.. لا يستطيع شخص أو حيوان مهاجمتك بسهولة، تستطيع أن
تدافع عن نفسك، أن تقاتل أو أن تهرب.. بمكنك فعل شيء ما لأن كل شيء مرئي أمامك..
النور هو الرمز الذي يدل على المعلوم، وفي مجال المعلوم أنت لا تشعر بالخوف.
العتمة هي
المجهول... هنا ينشأ الخوف في القلب، فأنت لا تعرف ماذا يحدث حولك.. كل شيء ممكن،
وأنت لا تقدر على الدفاع عن نفسك..
النور هو الأمان،
العتمة هي انعدام الأمان..
يبدو النور وكأنه
الحياة، وتبدو العتمة وكأنها الموت..
عندما تكون
مرتعباً، ليس فقط نفسياً بل جسدياً أيضاً، لأن الإنسان عاش ألوف السنين في العتمة،
في الليالي المظلمة، في الكهوف والغابات البرية، والليل كان مشكلة كبيرة لأن
الحيوانات البرية قد تهاجم ولا يستطيع الإنسان الهرب منها... عندما تم اكتشاف
النار، أصبحت النار هي الإله الأول في تاريخ البشرية، لأنها أصبحت حماية وأمان
له... في النهار كل الأمور تسير على ما يرام، أما في الليل فلا تعرف أين أنت
ويختفي كل شيء حولك...
لذلك نجد أن
الإنسان يميل إلى تحديد الله بالنور فقط...
النور لديه بعض
الأشياء الجميلة حوله... فهو الدفء، وهو مصدر للطاقة، لا يمكنك العيش دون الشمس،
ولا يمكن لأي كائن أن يعيش دونها... كل الحياة في أعماقها هي طاقة شمسية متحولة
بألف شكل وشكل... أنت تأكل هذه الطاقة وتشربها وتعيش بواسطتها.. إذا اختفت الشمس
ببساطة أو بردت، ستتوقف كل الحياة على الأرض خلال عشر دقائق فقط.. لأن أشعة الشمس
تحتاج لعشر دقائق حتى تصل من الشمس إلى الأرض.. إذا ماتت الشمس، ستظل الأشعة
القديمة تصلنا عشر دقائق قبل أن تنتهي ويموت كل شيء بعدها.. لن نستطيع حتى إدراك
ما يحدث، فكل البشر سيموتون مع كل الكوكب والأشجار والحيوانات... الحياة تتواجد
حصراً مع وجود الشمس ونورها ودفئها.
العتمة أيضاً
لديها بعض الأشياء الجميلة حولها.. إنها غير محدودة... النور دائماً عنده حد معين،
بينما العتمة غير محدودة... النور في العمق هو إثارة من نوع ما، يثيرك ويثير
الحياة، لكن العتمة غير مثيرة أبداً.... النور دافئ، العتمة باردة، باردة وغامضة
مثل الموت... النور يأتي ويذهب، العتمة تبقى، العتمة أبدية... النور يبدو أنه حلقة
تحدث من مسلسل ما.. يمكنك صنع وتحضير النور، لكن لا يمكن التحضير للعتمة، تبدو
أعلى من قدراتك... يمكنك إشعال النور ويمكنك إطفاءه، لكن لا يمكنك إشعال العتمة أو
إطفاءها! النور يمكن التحكم به، إذا كان المكان عاتماً، يمكنك جلب النور إليه، لكن
لا يمكنك جلب العتمة لأي مكان ولا التحكم بها... وعندما تشعل النور الذي جلبته،
أنت تعرف أنه مؤقت مهما كان، عندما ينتهي الشمع أو الوقود سينطفئ النور.. بينما
العتمة شيء أبدي دائماً ستكون موجودة.. تتواجد وكأنه لا يوجد أي مسبب لها، كانت
دون سبب وستبقى دون سبب... لذلك اختار الإسينيون العتمة كرمز لله، لكن الحكيم
هرقليطس اختار كلا الرمزين معاً.
اختيار تطرف واحد
لا يزال شيء منطقي عقلاني، لا يزال العقل يعمل.. أما اختيار كلا التطرفين فهو غير
عقلاني، العقل ببساطة يندهش ويُذهل... الله هو النهار والليل كلاهما معاً، لا
اختيار، الشتاء والصيف، الحرب والسلام.. سيكون من الصعب على أشخاص مثل تولستوي،
غاندي، وبرنارد روسل قبول أن الله هو الحرب وأيضاً السلام.. يعتقدون أن الله هو
السلام، وأن الحرب من صنع الإنسان... الحرب شيء بشع، شيء قد اخترعه الشيطان، لأن
الله هو السلام.. لن يقبل غاندي ولن يقبل تولستوي أن الله هو الحرب أيضاً.. وكذلك،
هتلر لا يمكن أن يقبل بأن الله هو السلام أيضاً! بالنسبة له ولكل المتطرفين
المتشددين دينياً الله هو الحرب فقط! حتى نيتشه لا يقبل أن الله هو السلام بل هو
الحرب بالنسبة له!
هؤلاء جميعاً
أشخاص "يختارون" حسب هواهم.. الحكيم لا يختار.. بل ببساطة لديه وعي دون
اختيار.. رضا وتسليم ولتكن مشيئتك في كل الحالات.. لا يختار بل يصف الحالة كما هي
مهما كانت.. لا يجلب أفكاره وأخلاقياته إلى الحالة، لا يجلب فكره أصلاً.. ببساطة
هو كالمرآة يعكس الصورة... غاندي، تولستوي، روسكن، جميعهم يختارون، لديهم أفكارهم
الخاصة التي يُسقطونها ويفرضونها على الله.. يفرضون أن الله هو السلام، عندها تصبح
الحرب من الشيطان.. لكن هذا غير ممكن.
ما هو السلام من
دون حرب؟ هل هناك إمكانية للسلام دون حرب؟ ألن يكون ذلك السلام ميتاً ببساطة إذا
لم يكن هناك حرب؟ فقط فكر: لا يوجد حروب في العالم، فقط سلام.. ماذا سيكون نوع هذا
السلام؟ سيكون بارداً مثل ليلة عاتمة ميتة.. الحرب تعطيه القدرة والنغمة والحياة..
لكن إذا كان هناك فقط حرب من دون سلام، عندها أيضاً سيحدث الموت.... إذا اخترتَ
أحد أطراف هذه الثنائية المتناقضة، كل شيء سيكون ميتاً لأن الحياة تتواجد طبيعياً
بين التناقضات، الحرب والسلام كلاهما، الشبع والرغبة، الرضى وعدم الرضى، العنف والرحمة،
الهدف والطريق، إلخ.. من الصعب إدراك وجمع المتناقضات في فهمك لكن هذه هي الحقيقة
الأحدية.
إنه الله.. هو
الذي يرغب داخلك بالرغبات، وهو أيضاً الذي يصبح بلا رغبات.. هذا هو القبول
الكامل.. الله هو الهوى والشهوات داخلك وهو أيضاً الذي يصبح مستنيراً داخلك...
الله هو الغضب داخلك وهو أيضاً يصبح الرحمة.. لا يوجد شيء لكي تختاره! لكن انظر
فقط لهذه الحقيقة: إذا لم يكن هناك شيء لنختاره وأن كل شيء هو الله، الأنا عندك
تختفي ببساطة.. لأنها توجد فقط مع عملية الاختيار.. إذا لم يكن هناك شيء لتختاره،
وكل شيء مقدس كما هو، لا يمكن فِعل شيء والله هو كلا النقيضين... مع اختفاء
الاختيار والشخص المختار تختفي الأنا أيضاً.. عندها تقبل ببساطة برضا وتسليم وهو نهاية
العلم والتعليم! عندما تكون جائعاً وعندما تكون شبعاً كلاهما حالات جميلة للتأمل.
هذا صعب على
الفكر.. سيترنح الفكر ويُذهل ويفقد الأرضية التي يسير عليها ويدوخ.. كأنك تقف على
حافة هاوية عميقة... لماذا يحدث هذا؟ لأن الفكر دوماً يريد خياراً واضح المعالم:
"إما هذا أو ذاك"... لكن الحكيم يقول: "لا هذا ولا ذاك، أو كلاهما
معاً".
إذا سألت رجال
الدين في الشرق أو الغرب سيقولون: "الرغبات؟ اترك كل الرغبات! تحوّل إلى كائن
دون رغبة وأهواء! اختر طرفاً محدد، وكن قنوعاً راضياً به".. وإذا سألت زوربا
مثلاً سيقول لك العكس: "اعبد الرغبات فهي كل شيء في الحياة، تناول الطعام
والشراب واحتفل بالنساء فقط!"
الحكيم ينظر بعمق
وبحكمة أكثر.. يقول: "من هو الذي سيترك الرغبات أو سيعبدها؟ الله هو كلا
الحالتين!"
إذا استطعت الشعور
بهذا، أن الله كلاهما، سيصبح كل شيء فارغاً، وكل شيء مقدساً.. عندها ضمن الجوع
سيكون هناك شبع، وضمن الرغبة سيكون هناك انعدام الرغبة، وضمن الغضب سيكون هناك
الرحمة... إذا لم تعرف الغضب الذي يحمل الرحمة معه، الغضب الذي هو رحمة أيضاً،
فأنت لم تعرف الحياة مطلقاً... إذا لم تعرف العتمة التي هي أيضاً النور، البرد
الذي هو دفئ أيضاً، إذا لم تعرف هذا فقد فاتتك قمم كثيرة من الحياة.
عندما تتلاقى
المتناقضات، تحدث النشوة، وهي أعظم نشوة في الوجود مع الكون بكامله..
الله هو كلّ مِن
الرجل والمرأة معاً، الحرب والسلام معاً..
والإنسان كان
دوماً يواجه الصعوبات لأنه كان دائماً يختار طرفاً واحد.. وبقي المجتمع منقسماً
دائماً، كل المجتمعات والحضارات منقسمة، لأن كل شيء فيها يعتمد على الاختيار..
لقد خلقنا مجتمعاً
في العالم يميل للسلطة الذكورية، يميل للحروب والعنف والتكفير.. وتم حذف المرأة
منه، لأن ليس لديها شيء لتساهم به، فالمرأة هي السلام وهي الصمت وهي القبول
والرحمة وليس الحرب.. المرأة هي الشبع وليس الرغبة... الرجل هو الرغبة والإثارة،
المغامرة والحرب، دائماً يمشي إلى مكان وهدف ما، يبحث عن شيء دون توقف... الرجل هو
شخص جوال متشرد، المرأة هي البيت.. لكن عندما يلتقيان معاً، عندما يلتقي المتشرد
مع البيت، ويلتقي الجوع مع الشبع، ويلتقي النشاط مع الرضى والقبول، تولد بينهما
أعظم سيمفونية متناغمة وهي خفية عن آذان الكثيرين.
لقد صنعنا مجتمعاً
ذكورياً بحت، لذلك هناك كثير من الحروب، والسلام ليس شيئاً حقيقياً.. السلام عندنا
هو مجرد فجوة واستراحة بين حربين.. ليس حقيقة سلام بل فقط تحضير لحرب قادمة...
ارجع وانظر إلى التاريخ: الحرب العالمية الأولى والثانية، الفجوة بينهما ليست
سلاماً.. كانت مجرد تحضيرات للحرب الثانية..
وإذا كان السلام
ليس حقيقياً، فالحرب أيضاً ستكون غير حقيقية..
في الماضي القديم،
كانت الحرب جميلة، بينما اليوم بشعة، لأنه لا يوجد حالة مناقضة لها..
في الماضي، كان
المحاربون أشخاصاً جميلين، بينما اليوم بشعين جداً متطرفين متعصبين مستكبرين..
الحرب لا تقدم لك
أي شيء، بل هي مجرد مغامرة خطرة، تجلبك إلى قمة من قمم الوجود، فأنت تضع كامل نفسك
فيها... كان المحاربون جميلين، لقد واجهوا الموت، ذهبوا لملاقاة الموت وجهاً لوجه
في الخطوط الأولى... لكن اليوم لا يمكنك رؤية أي محارب حقيقي، لأنه مختبئ داخل
الدبابة، يرمي الصواريخ والقنابل على الأعداء، دون أن يعرف الأشخاص الذين
سيقتلهم... هل يمكنك تسمية الشخص الذي ألقى قنبلة نووية على اليابان بأنه محارب؟
أي نوع من المحاربين هذا؟ رمى قنبلة نووية وقتل مئة ألف إنسان في دقائق، دون أن
يعرف من هو العدو، ومات بينهم ألوف النساء والأطفال...
رمى القنبلة ثم
عاد إلى بيته دون معرفة مَن قتل، ثم خلد إلى النوم العميق... لقد قام بواجبه
العسكري، مختبئاً خلف مقود الطائرة.. أي نوع من الحرب هذه؟ لقد أصبحت بشعة فعلاً.
في الأيام الماضية
كان عمل المحارب من أعظم الأعمال، فهو يجلب كامل قوته لأقصى درجة... لكن اليوم
الحرب ليس لها معنى، مجرد عمل آلي مثل أي عمل آخر، تكبس الزر وتسقط القنبلة
وتقتل.. وأنت لا تواجه أي عدو بنفسك مباشرة.. الحرب دون السلام الحقيقي تصبح أيضاً
مزيفة.. وعندما تكون الحرب مزيفة، كيف يمكن للسلام أن يكون حقيقياً؟
لقد كنا دائماً
نختار... ونصنع مجتمعاً موافقاً لنمط التفكير الذكوري... الرجل أصبح المركز،
والمرأة أصبحت شيء ثانوي... وانقسم المجتمع.. اليوم هناك نساء تفكرن بصنع مجتمع
موافق لنمط التفكير الأنثوي فقط، حيث يلزم رمي الرجل خارجاً.. لكن هذا أيضاً سيكون
حالة انقسام من جديد.
الله هو الذكر وهو
الأنثى معاً... لا يوجد خيار..
الذكر والأنثى
متناقضات، العتمة والنور، الموت والحياة..
التناقضات موجودة،
لكن علينا البحث عن التناغم الخفي بينهما..
أولئك الذين يصلون
لمعرفة هذا التناغم يصلون لإدراك الحقيقة:
الله هو النهار والليل
هو الصيف والشتاء
هو الحرب والسلام
وهو الجوع والشبع
~~~~~
ماء البحر في نفس اللحظة يكون نقياً جداً وملوثاً جداً
قابل للشرب وصحّي للأسماك،
لكنه غير صالح وقاتل للإنسان..
~~~~~
كل شيء هو جيد وكل
شيء هو سيء، الأمر يعتمد على شيء آخر...
الحرب جيدة
أحياناً، والسلام سيء أحياناً، الأمر يعتمد..
أحياناً لا يكون
السلام سوى خنوع وضعف، وعندها ليس شيء جيد، قد يكون حالة سلام لكنها ليست جيدة.
وأحياناً الحرب لا
تكون إلا حالة من الجنون، عندها ليست شيء جيد..
على المرء أن
يشاهد ويراقب دون أي تحيّز...
ليست كل حرب سيئة،
وليس كل سلام جيد، وعلى المرء ألا يصبح مدمناً على أيّ منهما.
بالنسبة لنيتشه أو
هتلر، كل حرب هي جيدة.. وبالنسبة لغاندي كل سلام هو جيد... كلاهما مدمن ومتطرف..
لأن الله في الحالتين معاً.
ماء البحر في نفس اللحظة يكون نقياً جداً وملوثاً جداً
قابل للشرب وصحّي للأسماك،
لكنه غير صالح وقاتل للإنسان..
~~~~~
بالنسبة للسمك،
ماء البحر هو الحياة، لكن بالنسبة لك قد يعني الموت... لذلك لا تصنع أفكاراً
مطلقةـ حافظ على مرونة فكرك.. وتذكر، قد يكون شيء جيداً بالنسبة لك اليوم، وغداً
قد لا يكون جيداً، لأن الحياة تستمر بالتغير ولا يمكن للمرء أن يخطو مرتين في نفس
النهر... كل شيء يتحرك ويتدفق لذلك لا تبقَ جامداً.. هذه هي أحد الأمراض التي تصيب
فكر الإنسان: جمود وانغلاق الفكر وتطرفه... تفقد الليونة والمرونة، والمرونة هي
الحياة...
انظر إلى الطفل،
كله مرونة وحيوية.. انظر إلى العجوز، لقد أصبح جامد وهامد...
كلما كنتَ أكثر
مرونة كلما كنتَ أكثر حياة ونضارة وشباباً...
وما هي المرونة؟
هي التجاوب مع اللحظة الحاضرة دون حمل أي أفكار مسبقة... التجاوب بشكل مباشر وفوري
وعفوي، من القلب ليس من الفكر..
التجاوب الفوري هو
المرونة.. تنظر في الحالة، تصبح واعياً لها وحساساً لها، وعندها فوراً تتصرف.. يأتي
الفِعل من خلال المواجهة المباشرة بينك وبين الحالة، وليس من الفكر والأفكار
الماضية.
طبيعة النهار والليل هي نفسها
~~~~~
الحرب والسلام هما
واحد.. الرغبة وانعدام الرغبة واحد.. الظاهرة هي نفسها: السلام هو حرب غير فاعلة،
والحرب هو سلام فاعل... طبيعة الرجل والمرأة هي نفسها: المرأة هي رجل متقبل
ومتلقي، والرجل هو امرأة فاعلة معطية... لذلك يجذبان بعضهما، لأنك إذا نظرت لواحد
منهما لوجدته مجرد نصف ناقص.. إذا أصبحا واحداً سيتم خلق الأحدية الكاملة، كلاهما
يلتقيان يذوبان يصبحان واحداً.. تلك الأحدية هي البحث الحقيقي.
إذا قمتَ بفصل
الرجل والمرأة، مثلما فعلت كل الأديان والطوائف في الماضي، التي فصلتهما تماماً.. وبقيت
تلك الأديان هزيلة نصف على نصف.. لا يمكن أن تكون ديناً حقيقياً كاملاً لأنها لم
تقدر على قبول الكليّة... الدائرة عندهم هي نصف دائرة وليست حياة كاملة.. لهذا
مثلاً أصبحت الديانات اليهودية والمسيحية والجيانية والبوذية وغيرها أديان بشعة
فعلاً، لأنك بالأصل لا يمكنك أن تقسم وتختار، عليك قبول الكلية.
الجمال هو قبول
الكل والكمال، والبشاعة هي التقسيم والانفصال..
كل شيء كامل هو
شيء جميل ومكتمل ومشبع بالقداسة، لأن دائرة الطاقة والحياة تكتمل فيه.
طبيعة النهار والليل هي نفسها
~~~~~
النهار بحد ذاته
يصبح الليل، والليل يصبح النهار.. هل يمكنك تحديد اللحظة التي تقسم وتحدد متى يبدأ
النهار أو يبدأ الليل؟ هل هناك حد فاصل؟ لا يوجد.. النهار بالتدريج يتحول إلى ليل،
والليل بالتدريج يتحول إلى نهار.. إنها عجلة واحدة تدور.. وإذا استطعتَ رؤية كل
التناقضات كعجلة تدور، ستحصل على وعي تجاوزي أعلى.. عندها لن تكون رجلاً أو امرأة،
لأن الرجل يتحول إلى امرأة والمرأة تتحول إلى رجل عدة مرات... إذا راقبتَ نفسك
24ساعة، ستعرف أي اللحظات التي كنتَ فيها رجلاً أو كنت فيها امرأة.. ستعرف متى كنت
فاعلاً ومتى كنت مستقبلاً.. عندما تكون مستقبلاً تكون امرأة، وعندما تكون فاعلاً
تكون رجل، وكلاهما مخفي داخلك.
علم النفس اليوم
صار يقبل هذا.. أن الإنسان ثنائي الجنس في نفس اللحظة: كل رجل هو امرأة أيضاً، وكل
امرأة هي رجل أيضاً... في علم الماكروبيوتك يقولون أن الرجل يحمل 70% طاقة ذكر
و30% طاقة أثنى والعكس عند المرأة.. الفروق هي فقط بالدرجة وليس بالنوعية.. إذا
كنت رجل فهذا قد يعني أنك 51% رجل و49% امرأة هذا هو الفرق فقط.. لهذا من السهل أن
يغير البعض جنسهم وميولهم ببعض الأدوية والهرمونات.. ولا حاجة حتى للهرمونات، إذا
قام الشخص بتغيير نفسيته سيتغير جنسه وميوله.. الفكر يأمر ويغير الجسم بكامله.
أنت رجل وامرأة
سوية.. الموضوع فقط مجرد تركيزك على إحدى الجهتين.. والحكيم يصل لإدراك أن:
طبيعة النهار والليل هي نفسها
~~~~~
الطريق للأعلى وللأسفل
هو واحد متشابه..
~~~~~
الجنة والنار
كلاهما واحد... الله والشيطان واحد.. مجرد قطبان متناقضان لظاهرة واحدة..
حتى النائمون هم عمال ومساهمون
بكل ما يجري في هذا الكون...
~~~~~
حتى النائمون
الغافلون هم مسؤولون.. ما هو القصد من هذا؟ القصد هو أن المسؤولية ليست فردية،
الكارما ليست فردية، بل كلية جماعية... هذه حكمة نادرة، لأنه ومنذ ألوف السنين في
الهند وفي الأديان القديمة آمنوا أن العقاب أو الكارما هي شيء فردي، لكن ذلك أيضاً
هو تعلق بالأنا... لماذا؟
عندما لا يكون
هناك أنا، وتصرّ على أنه لا يوجد أنا، لماذا ستكون الكارما فردية؟
إذا كانت الكارما
فردية فلن تقدر على ترك الأنا.. في الواقع ستتعلق الأنا بك بشكل خفي: أنا عليّ أن
أدفع الكارما عندي، وأنت عليك دفع الكارما عندك، فأين سنلتقي؟ أنا سأصبح مستنيراً
وأنت ستبقى جاهلاً، فأين سنلتقي؟
إذا أردنا فهم
رؤية الحكيم، فهي تعني أنه لا يوجد أفراد منفصلين، لا يوجد جزر معزولة، البشر جزء
واحد من كلّ كامل.. عندها حتى الكارما لن تكون فردية... وهذا سيعني عدة أمور
عندها، وسينفتح بعد جديد واسع جداً... ذلك يعني أنه إذا قام شخص بارتكاب جريمة في
مكان ما، فأنا لدي مسؤولية جزئية فيها... حتى إذا كنتُ شخصاً نائماً، ولا أعرف
شيئاً عن ذلك الشخص، ولن أسمع عنه شيئاً أبداً، لكن شخصاً ما في صحراء بعيدة ارتكب
جريمة... إذا لم نكن أفراد منفصلين فنحن جميعاً مسؤولون وأنا جزء من تلك الجريمة
التي حدثت... من السهل رمي المسؤولية بعيداً عنك وقول: "أنا لا أرتكب جريمة
لأنني شخص عاقل".
لا يوجد عاقل
عاقل، ولا يوجد قديس قديس، لأن المجنون والخاطي متضمن داخله أيضاً..
ومن الحماقة
الادعاء: "أنا قديس لأنني لا أرتكب أي جريمة أو سرقة أو خطيئة"..
لكن هناك خطاة في
الدنيا، وإذا كنا جميعاً واحد، أرض واحدة واسعة متصلة وليس جزر منفصلة، كيف يمكنك
ارتكاب جريمة دون علاقة لي بها؟؟ لا، هذا مستحيل.. وعندها، كيف يمكنني أن أصبح
مستنيراً من دون أن تصبح أنت مستنيراً أيضاً؟ لا هذا غير ممكن..
هذا يعني أنه
أينما حدثت جريمة فالكلّ مشارك بها.. وأينما حدثت ظاهرة استنارة فالكلّ مشارك
بها..
ولهذا حدث مراراً
أنه عندما يستنير شخص ما، كثير من الأشخاص القريبين منه يستنيرون معه في نفس
الموجة من الوعي الصاعد، لأنه صنعَ باستنارته فرصة للكلّ..
الأمر يشبه هذا:
إذا كان عندي صداع في رأسي، لن يكن الرأس فقط هو المريض بل كامل الجسد.. حتى
الرجلين والقلب سيشعر بالضيق لأنني أنا كائن واحد.. قد يتركز الصداع في الرأس لكن
كل الجسد سيعاني معه... عندما يصبح شخص مستنيراً، فالنور والوعي يتركز هناك، هذا
كل شيء، لأنه لا يوجد أفراد.. والنور والترددات ستنتشر في كل مكان... الوجود يشبه
شبكة العنكبوت، إذا لمستها من أي مكان ستهتز بكاملها... في مكان محدد ستكون اللمسة
والهزة مركزة لكن الوجود كله سيهتز معها.
يجب فهم هذه
الأمور.. عندما تفعل أي شيء، لستَ أنت فقط المسؤول عنه، بل كامل الوجود...
مسؤوليتك عظيمة حقاً..
ليس الموضوع أنه
عليك أنت لوحدك إنهاء الكارما الخاصة بك،
بل تاريخ البشرية
بكاملها هو أيضاً سيرة حياتك الشخصية أنت...
حتى لو كنتُ
نائماً فأنا أشارك بكل شيء..
لذلك، كل خطوة
نأخذها يجب أن تكون بوعي ويقظة ومسؤولية..
إذا قمتَ بخطأ
فأنت تجلب الكون بكامله للخطأ نفسه، لأنك لستَ منفصلاً عنه..
وإذا تأملتَ،
وأصبحت واعياً، وشعرت بالغبطة والنشوة،
فالكون بكامله
يصعد معك إلى هذه القمة..
قد يكون الوعي
متركزاً عندك، لكن كل الوجود يتشارك معك.
تذكر هذا، كل شيء
تفعله، الله أيضاً يفعله معك..
وكل شيء تكون أنت
عليه، الله أيضاً يكون معك..
وكل شيء تتحول
إليه، الله أيضاً يتحول معك..
أنت لست لوحدك،
أنت مصير الكون كله...
حتى النائمون هم عمال ومساهمون
بكل ما يجري في هذا الكون...
~~~~~
ضمن الدائرة،
البداية والنهاية هي نفسها
~~~~~
إذا رسمتَ دائرة، البداية ستكون هي النهاية.. عندها فقط ستكتمل الدائرة..
إذا أصبحتَ أنت دائرة، كاملاً متكاملاً، ستلتقي داخلك البداية مع النهاية..
ستكون أنت المصدر الجوهري لكل العالم، وستكون أنت الأوج الأقصى لهذا
العالم..
ستكون الألفا والأوميجا سوية... الألف والياء.. الموت والحياة..
وما لم تصبح كذلك، سيبقى هناك شيء ناقص، وطالما هناك نقص ستبقى في تعاسة..
التعاسة الوحيدة التي أعرفها هي كونك غير كامل..
كيان الإنسان بكامله يميل للاكتمال ويحتاج للاكتمال..
النقص يصبح عذاب وسجن.. عدم الاكتمال هو المشكلة الوحيدة.
وعندما تصبح مكتملاً، تلتقي البداية والنهاية داخلك..
الله كالبذرة والمصدر الأول، والله كالتفتح الأقصى، يلتقيان داخلك..
اقرأ كل هذه الكلمات مرة ثانية بعد فترة وتأمل بأعماقها.. كل جملة قد تصبح
موضوعاً كاملاً للتأمل والتفكر... وكل جملة قد تفتح بصيرتك لأمور جديدة داخلك
وداخل حقيقة الوجود.. وهذه ليست أقوال فلسفية فارغة، بل هي حكم وعبارات من قلب شخص
حكيم مستنير، يعرف العرفان وقد فتحت عنده العيون والآذان.. لا يقوم بطرح نظريات
وفرضيات، بل الحقيقية الواقعية الوجودية قد لامسته واخترقته فقال هذه الحكم.. وكل
حكمة منها كاملة بحد ذاتها، ليست نظام تفكير أو معتقدات.. كل حكمة هي جوهرة مصقولة
فردياً بعناية، إذا كنتَ أنت جوهرجي ستعرف أن تميز الجوهرة من الحجرة..
فادخل من أي باب وأي حكمة تلامس قلبك، وستكون شخصاً مختلفاً تماماً..
تلك الحكمة قد تكون باباً إلى المقدس الذي لا يبدأ ولا ينتهي...
أضيفت في:31-3-2025... في قلب الله> الله و الألوهية .... إذا وجدت أن الموضوع مفيد لك، أرجو منك دعم الموقع
|